المقريزي
395
درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( بيروت )
للأيتام والأرامل والفقراء ، وحجت مع الرّجبيّة فأنفقت مالا كثيرا في وجوه البرّ . وبالجملة فقلّ ما كان في عصرها مثلها . وابتليت مرّة بصداع مبرّح أعيى الأطباء ، فرأت في نومها قائلا يصف لها هذا الدّواء ، وهو : كابليّ منزوع ، وهندي ، وسنا مكّي منقّى من عيدانه ، وزهر بنفسج عراقي ، واصطوخودس ، من كل واحد أوقية ، وصنانير نصف أوقية ، يدق ويستفّ منه خمسة دراهم بمثلها سكر أبيض بعد تقدمة الحمية ثلاثة أيام ؛ فلما عملت ذلك برئت عند فراغه ، ولقد وصفته مرارا عديدة فما أخطأ وللّه الحمد . وأنشدتني قالت : سمعت أبي ينشد : أحمامة الوادي بشرقيّ النّقا * هاكي الشّجون وإن عجزت فهاكي لا تدّعي وجدا وأنت خليّة * قد يعرف الباكي من المتباكي وسمعته ينشد لنفسه : قل للذي نقض العهود وخانا * وأمال نحو العاذل الآذانا إنّ الذي خلق المحبّة قادر * من بعدها أن يخلق السّلوانا ومات لها ولد مرة فلما عزّيت فيه قالت : ما أحسن الصبر لولا يفني العمر ، وكانت تقول : باب مردود ، وشيطان مطرود ، وساعة النّصر ما فيها غلبة . وأخبرتني عن أمّ حلوة من معارفها أنها رأت بساحل بولاق خارج القاهرة امرأة تبكي وتقول في دعائها : الذي ردّك عليّ أولا يردّك ثانيا . فسألتها عن ذلك فأشارت إلى مركب سائر في النيل ، وقالت : هذه مركب فيها ولدي ولي فيه خبر عجيب ، وهو أني سرت مع أبيه في بحر المالح إلى اليمن ، وركبنا البحر إلى الهند وأنا حامل به ، فانكسرت السفينة وهلك كلّ من فيها ، وصرت أنا على لوح ، والأمواج تدفعني حتى ألقتني بجزيرة ، فبينا أنا على البرّ بها إذا بشيء يدفعه الموج ، فتناولته فإذا أنا من هول ما مرّ بي ألقيت الحمل من بطني وأنا لا أشعر ، وقد نزل في برنس